المصدر: www.michaeljvlach.com (8 نيسان 2026). أُعيد نشره بإذن المؤلّف.
تُعدّ العلاقة بين إسرائيل في الكتاب المقدس ودولة إسرائيل الحديثة من أكثر المسائل إثارةً للنقاش في اللاهوت المسيحي المعاصر. ويسعى كثير من المسيحيين إلى فهم صلة إسرائيل اليوم بإسرائيل التي نقرأ عنها في صفحات الكتاب المقدس.
تبحث هذه الدراسة العلاقة بين إسرائيل في الكتاب المقدس وإسرائيل اليوم، وما يترتّب عليها من نتائج بشأن الطريقة التي ينبغي للمسيحيين أن ينظروا بها إلى إسرائيل في العصر الحاضر. وأرى أن إسرائيل، بوصفها شعبًا وأمّة، تظلّ دائمًا ذات أهمية في مقاصد الله، وأن الدولة اليهودية اليوم، رغم عدم إيمانها في الوقت الراهن، تبقى وثيقة الصلة بإسرائيل الموصوفة في الكتاب المقدس.
ولا بدّ من كلمة حول منهج تناول هذه المسألة. فكثيرًا ما تبدأ النقاشات حول إسرائيل وإسرائيل المعاصرة بمقاطع لا تتناول مباشرةً هوية إسرائيل أو دورها في خطة الله. أمّا هذه الدراسة فتركّز على النصوص التي تحدّد صراحةً مَن هي إسرائيل وما الدور الذي تؤدّيه هذه الأمّة في مسار القصة الكتابية. وبالانطلاق من هذه المقاطع التأسيسية، يمكننا تقييم صلة إسرائيل اليوم بإسرائيل الموصوفة في الكتاب المقدس على نحو أفضل.
إسرائيل في الكتاب المقدس
ينبغي أن يبدأ النقاش السليم للعلاقة بين إسرائيل في الكتاب المقدس ودولة إسرائيل الحديثة بتوضيح المقصود باسم «إسرائيل» في الكتاب المقدس. فإسرائيل في النصّ الكتابي شعب ذو أبعاد إثنية وقومية وإقليمية. وقد وصف الله إسرائيل بأنها «الأمّة العظيمة» التي وعد بها إبراهيم (التكوين 12:2).
البعد الإثني لإسرائيل
أولًا، لإسرائيل بُعد إثني. فالأمّة تنحدر من إبراهيم وإسحق ويعقوب، وأسباط إسرائيل شكّلت شعبًا تربطه سلسلة نسب معروفة. وفي التكوين 32، تغيّر اسم يعقوب إلى إسرائيل بعد مصارعته مع الله. ولعلّ اسم «إسرائيل» يعني «هو يصارع مع الله». ومنذ ذلك الحين، عُرف نسل يعقوب باسم بني إسرائيل، واستمدّت الأمّة هويتها من هذا الأب. فالإسرائيليون كانوا إذن نسل يعقوب بحسب الجسد، وهو الرجل الذي سمّاه الله إسرائيل. ولذلك تفترض الوعود لإبراهيم ونسله وجود شعب حقيقي تجمعه رابطة النسب.
ومع ذلك، لم تكن إسرائيل منغلقة تمامًا في وجه الغرباء. فقد كان بوسع غير الإسرائيليين الانضمام إلى إسرائيل والالتصاق بالرب. وشمل «اللفيف المختلط» الذي خرج من مصر أناسًا انضمّوا إلى إسرائيل (الخروج 12:38). وأصبحت راحاب وراعوث لاحقًا جزءًا من إسرائيل، بل إنهما تظهران في نسب يسوع. وهكذا كان لإسرائيل نواة تقوم على النسب، مع بقائها منفتحة على مَن يؤمنون بإله إسرائيل.
إسرائيل بوصفها أمّة
ثانيًا، إسرائيل كيان قومي. ففي سيناء، أصبحت إسرائيل أمّة ذات شريعة وقيادة ومسؤولية جماعية أمام الله (الخروج 19:5–6؛ التثنية 4:5–8). ولم تكن مجرّد مجموعة أفراد يشتركون في معتقدات دينية، بل شعبًا ذا تاريخ ولغة وعبادة وأنماط حياة مشتركة. وكانت للأمّة قوانينها وأعيادها ومؤسساتها وذاكرتها الجماعية التي تميّزها عن الشعوب المحيطة بها.
إسرائيل وأرض الموعد
ثالثًا، ترتبط إسرائيل بأرض. فعهود الكتاب المقدس تربط إسرائيل مرارًا بأرض محدّدة. قال الله لإبراهيم: «لنسلك أعطيت هذه الأرض» (التكوين 15:18). ثم أعلن: «وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك، كلّ أرض كنعان، ملكًا أبديًّا» (التكوين 17:8). وأُكّد الوعد من جديد لإسحق (التكوين 26:3) وليعقوب (التكوين 28:13).
الغاية من اختيار إسرائيل
ما الغاية من اختيار إسرائيل؟ لقد اختيرت إسرائيل لتكون بركة للأمم. قال الله لإبراهيم: «أجعلك أمّة عظيمة… وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض» (التكوين 12:2–3). فقد قصد الله أن يعمل من خلال هذا الشعب لكي تصل بركاته إلى العالم أجمع. ويطلب المزمور 67:1–2: «ليترأّف الله علينا ويباركنا… لكي يُعرف في الأرض طريقك، وفي كلّ الأمم خلاصك». اختيرت الأمّة لكي يمتدّ حقّ الله وخلاصه ومقاصده بشأن ملكوته إلى شعوب الأرض.
كان اختيار الله لإسرائيل ذا غاية جماعية، ولم يتوقّف على الخلاص الشخصي أو الأمانة لكلّ فرد من بني إسرائيل أو لكلّ جيل في تاريخها. بل اختيرت إسرائيل لتؤدّي وظائف تاريخية ودولية محدّدة في خطة الله. وتأتي هذه البركات العالمية من خلال أدوار أساسية عدّة أُسنِدت إلى إسرائيل. فعن طريق إسرائيل أعطى الله العالمَ الكتب المقدسة (رومية 3:2). ومن إسرائيل جاء المسيح، مخلّص العالم (رومية 9:5). وإسرائيل مدعوّة أيضًا إلى أن تكون المركز الجغرافي لملكوت المسيح الأرضي المستقبلي على الأمم (إشعياء 2:2–4؛ زكريا 14:16–21).
لم تقتضِ هذه المقاصد أن يكون كلّ فرد من بني إسرائيل أمينًا روحيًّا. فعلى امتداد تاريخ إسرائيل، عاش كثيرون في عدم الإيمان، ومع ذلك واصل الله تحقيق مقاصده من خلال الشعب ككلّ. لذلك يتعلّق اختيار إسرائيل بدور الأمّة في خطة الله التاريخية، ويتجاوز إخفاقات أجيال معيّنة، بما فيها فترات التأديب والسبي والشتات. وفي الوقت نفسه، كان خلاص الأفراد يعتمد دائمًا على الإيمان الشخصي بالرب، كما يبيّن مثال إبراهيم في التكوين 15:6.
إسرائيل شعب عابر للأجيال
من السمات المهمة الأخرى لإسرائيل في الكتاب المقدس أنها أمّة عابرة للأجيال. فإسرائيل لا تقتصر على جيل واحد يعيش في لحظة تاريخية معيّنة، بل تمتلك هوية قومية مستمرّة تمتدّ عبر الأجيال. ويتحدّث الكتاب المقدس مرارًا عن إسرائيل بوصفها شعبًا تتواصل هويته عبر الزمن.
في التثنية 29، يعلن موسى أن تعليمه لا يخصّ فقط الواقفين أمامه في ذلك اليوم، بل أيضًا «الذين ليسوا معنا هنا اليوم». وكذلك يخاطب التثنية 30 إسرائيل جماعيًّا بلغة تمتدّ عبر الأجيال. ويستخدم المقطع ضمير المخاطب «أنت» ليتحدّث إلى بني إسرائيل في أيام موسى وإلى الأجيال المقبلة التي ستختبر التشتّت بين الأمم ثم العودة إلى الأرض (التثنية 30:1–5). فالشعب المخاطَب عبر الزمن هو شعب العهد نفسه، وإن كانت الأجيال المختلفة تختبر ظروفًا تاريخية مختلفة.
في متّى 23:37–39، يرثي يسوع أورشليم ويعلن: «لا ترونني بعد حتى تقولوا: مبارك الآتي باسم الرب». تخاطب كلماته الجيل الواقف أمامه، وتشير في الوقت نفسه إلى جيل مقبل من إسرائيل سيرحّب به. ويفترض هذا القول استمرار الأمّة عبر الزمن.
استمرار وجود إسرائيل بوصفها أمّة
إن العهد الإبراهيمي نفسه يرسّخ استمرار وجود إسرائيل بوصفها شعبًا. فقد وعد الله إبراهيم: «أقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك في أجيالهم عهدًا أبديًّا» (التكوين 17:7). وكان الرب قد أعلن من قبل: «أجعلك أمّة عظيمة» (التكوين 12:2). ولأن هذه الوعود أُعطيت لنسل إبراهيم بحسب الجسد في إطار عهد أبدي، فإن استمرار وجود إسرائيل شعبًا أمر مضمون.
ويؤكّد الأنبياء دوام الوجود القومي لإسرائيل. ففي إرميا 31:35–36، وهو نصّ يتعلّق بالعهد الجديد، يُعلَن أن إسرائيل ستبقى أمّة أمام الرب ما دام النظام الثابت للشمس والقمر والنجوم قائمًا:
هكذا يقول الرب،
الجاعل الشمس للإضاءة نهارًا،
وفرائض القمر والنجوم للإضاءة ليلًا،
الذي يهيّج البحر فتَعِجّ أمواجه؛
ربّ الجنود اسمه:
«إن زالت هذه الفرائض
من أمامي، يقول الرب،
فإن نسل إسرائيل أيضًا يكفّ
عن أن يكون أمّة أمامي كلّ الأيام».
ما دام نظام الخليقة قائمًا، تبقى إسرائيل أمّة أمام الله. فاستمرار وجودها مرتبط بدوام نظام الخليقة نفسه. ويؤكّد إرميا هذه الفكرة مجدّدًا في 33:25–26:
هكذا يقول الرب: «إن لم يكن عهدي مع النهار والليل قائمًا، ولم أضع فرائض السماوات والأرض، فإنني أرفض أيضًا نسل يعقوب وداود عبدي… لكنني أردّ سبيهم وأرحمهم».
كما يستمرّ التعاقب المنتظم للنهار والليل بأمر الله، كذلك لن يُرفَض نسل يعقوب بوصفه شعبًا.
تتجاوز إسرائيل أيّ جيل بعينه. فقد تختبر الأمّة السبي أو الشتات في أنحاء العالم. وقد تصبح حتى «قليلة العدد بين الأمم» (التثنية 4:27)، لكنها تظلّ شعب العهد نفسه في مقاصد الله. فبفضل عهد الله مع إبراهيم، إسرائيل شعب يستمرّ وجوده القومي على امتداد التاريخ.
وحتى حين تُبعَد إسرائيل عن أرضها، تظلّ الأمّة موصوفة بأنها ذات علاقة مستمرّة بها. فكثيرًا ما خاطب الأنبياء الإسرائيليين المسبيّين بوصفهم شعبًا سيعود يومًا إلى الأرض الموعودة لآبائه. ويَعِد إرميا 16:15 بأن الرب سيردّ إسرائيل «إلى أرضهم التي أعطيت آباءهم». ويفترض هذا التعبير أن الأرض تظلّ أرضهم حتى وهم مشتّتون بين الأمم. وأشار يسوع أيضًا إلى أن لسيطرة الأمم على أورشليم حدًّا، معلنًا أن المدينة ستكون «مدوسة من الأمم حتى تُكمَل أزمنة الأمم» (لوقا 21:24). وتدلّ كلمة «حتى» على أن لهذا الدوس حدًّا في خطة الله، وأنه سيفسح المجال يومًا لوضع مختلف وأفضل لأورشليم.
البقيّة داخل إسرائيل
مع أن الكتاب المقدس يؤكّد هوية إسرائيل كأمّة، فإنه يعترف أيضًا بوجود تمييز داخل الأمّة نفسها: بقيّة أمينة تثق بالرب حقًّا. ويوضّح بولس أنه ليس كلّ مَن ينتمون إلى إسرائيل إثنيًّا أمناء روحيًّا. ففي رومية 2:28–29، يعلّم أن اليهودي الحقيقي هو مَن يغيّر الله قلبه. وفي رومية 11:1–10، يتحدّث عن بقيّة مؤمنة داخل الأمّة في أزمنة عدم الإيمان الواسع الانتشار. وفي غلاطية 6:16، يشير إلى الإسرائيليين الأمناء بوصفهم «إسرائيل الله».
تُبرز هذه المقاطع البعد الروحي للانتماء إلى شعب الله، مع الحفاظ على الهوية القومية الأوسع لإسرائيل في الكتاب المقدس.
إسرائيل في العهد الجديد
يواصل العهد الجديد التعامل مع إسرائيل بوصفها كيانًا قوميًّا معروفًا ضمن خطة الله المتكشّفة. فقد أعلن جبرائيل أن يسوع سينال «كرسي داود أبيه»، و«يملك على بيت يعقوب إلى الأبد» (لوقا 1:32–33)، وهي لغة تستدعي طبيعيًّا آمال إسرائيل القومية المتجذّرة في العهد الداودي. ووعد يسوع رسله لاحقًا بأنهم سيجلسون على اثني عشر كرسيًّا ليدينوا أسباط إسرائيل الاثني عشر (متّى 19:28؛ لوقا 22:30). وعند صعوده، كان الرسل لا يزالون ينتظرون ردّ الملك إلى إسرائيل (أعمال الرسل 1:6)، ممّا يدلّ على أن مفهوم رجاء إسرائيل بالملك بقي قائمًا بعد القيامة. ثم تحدّث بطرس عن ردّ مستقبلي مرتبط بتوبة إسرائيل وتحقيق وعود العهد (أعمال الرسل 3:19–25). وقال بولس أيضًا إنه يُحاكَم بسبب رجاء الأسباط الاثني عشر (أعمال الرسل 26:6–7)، وتوقّع الخلاص المستقبلي لـ«جميع إسرائيل» (رومية 11:26–27).
وفي الوقت نفسه، أنبأ الكتاب المقدس بأن الأمم ستتبارك من خلال إبراهيم (التكوين 12:3؛ 17:4–8؛ 22:17–18). وتشرح غلاطية 3 أن هذا الوعد يتحقّق في يسوع، إذ يُحسب المؤمنون من الأمم الآن ضمن نسل إبراهيم ويشتركون في البركة الموعودة له. لكن ضمّ الأمم بوصفهم نسل إبراهيم الروحي لا يلغي مقاصد الله لأمّة إسرائيل. بل يعكس النطاق الأوسع للوعد الإبراهيمي، الذي تضمّن منذ البداية امتداد البركة إلى ما وراء إسرائيل، وصولًا إلى الأمم.
نمط العهد في تاريخ إسرائيل
بعض المقاطع أساسي لفهم إسرائيل، لأنها ترسم صراحةً الخطوط العامة لخطط الله ومقاصده لهذه الأمّة. فنصوص مثل اللاويين 26، والتثنية 28–30، والتثنية 32، وحزقيال 20، ورومية 11 تعمل كمرتكزات تفسيرية لفهم دور إسرائيل في مسار القصة الكتابية. وتتناول هذه المقاطع هوية إسرائيل وعلاقة عهدها بالله وتأديبها عبر التاريخ وردّها في المستقبل بصورة مباشرة وشاملة.
ينبغي للتفسير المسؤول أن يولي عناية دقيقة لهذه المقاطع التي ترسم البنية العامة. فأحيانًا، في الجدل حول إسرائيل، يستند المفسّرون إلى آيات منفردة يرون أنها تؤيّد موقفهم، ولا يعطون اهتمامًا كافيًا للمقاطع التي تحدّد صراحةً إطار دور إسرائيل في مقاصد الله. وحين تُهمَل مقاطع العهد هذه، قد تنفصل الاستنتاجات بشأن إسرائيل عن المسار القصصي الذي يقدّمه الكتاب المقدس نفسه.
وعند فحص هذه النصوص التأسيسية، تبرز ملاحظة مهمة. فعلى الرغم من أنها تنبئ بوضوح بتمرّد إسرائيل وتأديبها وتشتّتها بين الأمم، لا يوحي أيّ منها بأن السبي يؤدّي إلى زوال إسرائيل كشعب أو إلى فقدان هويتها القومية ودورها في مقاصد الله بصورة دائمة. كما أنها لا تشير إلى أن إسرائيل ستتحوّل إلى جماعة روحية بحتة منفصلة عن الأمّة نفسها. بل إن المقاطع نفسها التي تحذّر من الدينونة تَعِد باستمرار بالتوبة وإعادة الجمع والردّ. ويفترض نمط العهد استمرار إسرائيل بوصفها شعبًا سيردّه الله في النهاية.
ولفهم دور إسرائيل في القصة الكتابية، بما في ذلك في الحاضر، لا بدّ من إدراك النمط الذي أعلنه الله مسبقًا لتاريخها. ولمقطعين أهمية خاصة في فهم هذا النمط: اللاويين 26 والتثنية 28–30. فهما يقدّمان نظرتين نبويتين شاملتين إلى تجربة إسرائيل القومية، ويرسمان المراحل الكبرى التي سيتقدّم عبرها تاريخها.
أولًا، ستجلب الطاعة البركة في الأرض (اللاويين 26:3–13؛ التثنية 28:1–14). فإذا سلكت إسرائيل بأمانة للرب، ستختبر الأمّة الازدهار والأمن والوفرة الزراعية وحضور الرب الساكن في وسطها.
ثانيًا، سيجلب العصيان المستمرّ التأديب، ثم السبي في النهاية. ويحذّر المقطعان من أن التمرّد سيؤدّي إلى أحكام متصاعدة تبلغ ذروتها في تشتيت إسرائيل بين الأمم (اللاويين 26:14–39؛ التثنية 28:15–68). وستنقلب بركات العهد المتعلّقة بالأرض إلى نقيضها حين تحلّ الدينونة بالأمّة.
ثالثًا، لن يكون الشتات بين الأمم الفصل الأخير. فهذه النصوص العهدية تستشرف لحظة مستقبلية تعترف فيها إسرائيل بخطيئتها وتعود إلى الرب (اللاويين 26:40–41؛ التثنية 30:1–2). وحتى بعد الدينونة والسبي، تبقى إمكانية التوبة قائمة.
رابعًا، يَعِد الله بالردّ. فعندما ترجع إسرائيل إلى الرب، سيذكر عهده ويجمع شعبه من الأمم ويردّه إلى الأرض الموعودة لآبائه (اللاويين 26:42–45؛ التثنية 30:3–5). وهذا الردّ يتجاوز العودة الجسدية إلى الأرض. فالتثنية 30 يَعِد أيضًا بتحوّل داخلي: سيقوم الله بـ«ختان قلبك وقلب نسلك لكي تحبّ الرب إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك» (التثنية 30:6). لذلك يتضمّن ردّ إسرائيل المستقبلي إعادة جمعها في الأرض والتجدّد الروحي في الشعب معًا.
ويستشرف نشيد موسى في التثنية 32 أيضًا تاريخ إسرائيل المستقبلي. فهو يتنبّأ بفساد إسرائيل وتأديب الله لها من خلال الأمم وإنصافه لشعبه في النهاية. وقد حذّر موسى من أن إسرائيل، بعد دخول الأرض، ستفسد و«تزيغ عن الطريق الذي أوصيتكم به» (التثنية 31:29). لكن النشيد يشير أيضًا إلى رحمة الله وردّه لشعبه: «الرب يدين شعبه ويشفق على عبيده» (التثنية 32:36). وفي صيغة شعرية، يعزّز النشيد نمط العهد المبيّن بصورة أكثر تنظيمًا في التثنية 28–30.
وأعاد الأنبياء اللاحقون تأكيد بنية العهد نفسها. ففي حزقيال 20، يروي الرب تاريخ إسرائيل الطويل في التمرّد منذ مصر، ويعلن الدينونة والردّ المستقبلي معًا. ويبلغ الإصحاح ذروته بجمع الله إسرائيل من الأمم وردّها إلى العبادة الأمينة في الأرض (حزقيال 20:34–44). وتؤكّد هذه المراجعة النبوية نمط العهد المبيّن من قبل في اللاويين 26 والتثنية 28–30.
تكشف هذه المقاطع مجتمعةً نمط العهد الذي يحكم تاريخ إسرائيل: بركة في الأرض، وتأديب وسبي، وشتات بين الأمم، وردّ مستقبلي يشمل إعادة الجمع والتحوّل الروحي معًا. وتسير القصة القومية لإسرائيل وفق هذه البنية، وهو نمط يؤكّده العهد الجديد أيضًا في مقاطع مثل رومية 11.
لا بدّ لأيّ نقاش حول دور إسرائيل في القصة الكتابية من أن يراعي هذا الإطار العهدي. فالنصوص نفسها تتوقّع هذه المراحل، والرواية الكتابية تعكسها مرارًا. وبالقدر نفسه من الأهمية، يبيّن النمط أن السبي والشتات لا يمكن أن يكونا الفصل الأخير في قصة إسرائيل. فالمقاطع نفسها التي تحذّر من دينونة قومية تَعِد أيضًا بتوبة الأمّة وإعادة جمعها وتجديدها. لذلك يسير تاريخ إسرائيل نحو الردّ، لأن الله، الذي أعلن هذه المراحل مسبقًا، التزم بإتمامها.
هذه الأسس الكتابية ضرورية لتقييم المسألة المعاصرة. فإذا كان الكتاب المقدس يقدّم إسرائيل شعبًا مستمرًّا ذا أبعاد إثنية وقومية وإقليمية، يسير تاريخه وفق هذا النمط العهدي الذي يبلغ ذروته في الردّ، فلا يمكن للنقاشات حول دولة إسرائيل الحديثة — أو إسرائيل في أيّ مرحلة تاريخية — أن تتجاهل هذا الإطار.
دولة إسرائيل الحديثة
إذا كان الكتاب المقدس يصوّر إسرائيل أمّة مستمرّة، ذات وعود عهدية دائمة وصلة ثابتة بالأرض، فإن سؤالًا مهمًّا يطرح نفسه: كيف ينبغي للمسيحيين أن يفهموا وجود الشعب اليهودي اليوم ودولة إسرائيل الحديثة؟
قبل معالجة هذا السؤال، لا بدّ من توضيح مهمّ. فأهمية إسرائيل المستمرّة لا تعتمد على تأسيس الدولة الحديثة عام 1948. وبسبب الوعود الدائمة للعهد الإبراهيمي، تظلّ إسرائيل ذات صلة بمقاصد الله، بصرف النظر عن الظروف السياسية. وحتى لو لم تُقَم دولة يهودية من جديد في الأرض، لظلّ شعب إسرائيل يحتلّ مكانًا مهمًّا في خطة الله المتكشّفة.
ولذلك ينبغي ألّا يُساء فهم وجود الدولة الحديثة. فتأسيس إسرائيل عام 1948 لا يحقّق في ذاته الوعود النبوية بردّ إسرائيل في المستقبل، لكنه يبرهن على أن الشعب اليهودي ما زال موجودًا كأمّة في التاريخ. ومن المرجّح أن تكون هذه الدولة مسرحًا لأحداث تقود إلى تحقيق خطط الله للأمّة.
لم يؤدّ تأسيس دولة إسرائيل الحديثة عام 1948 إلى خلق أمّة إسرائيل من جديد. فحتى في قرون الشتات الطويلة، استمرّ الشعب اليهودي في الوجود بوصفه إسرائيل. ورغم تشتّته بين الأمم وافتقاره في كثير من الأحيان إلى السيادة السياسية في أرضه التاريخية، حافظ على هويته كنسل شعب إسرائيل. وبهذا المعنى، استمرّت إسرائيل شعبًا حتى حين لم تكن موجودة كدولة سياسية. وحتى اليوم، لا تشمل دولة إسرائيل الحديثة شعب إسرائيل كلّه. فهناك جماعات يهودية في أنحاء العالم، تضمّ أفرادًا من بني إسرائيل مؤمنين وغير مؤمنين.
لا يزال الشعب اليهودي موجودًا اليوم كجماعة إثنية وقومية معروفة. ومنذ عام 1948، امتلك من جديد السيادة السياسية في أرض إسرائيل التاريخية. وتثير هذه الوقائع السؤال عمّا إذا كانت إسرائيل الحديثة مرتبطة بإسرائيل الموصوفة في الكتاب المقدس، وكيف يكون هذا الارتباط.
تأسّست دولة إسرائيل الحديثة في أيار 1948. وبعد قرابة ألفَي عام من الشتات، امتلكت أمّة يهودية من جديد السيادة السياسية في تلك المنطقة. وجاء إنشاء الدولة بعد خطة التقسيم التي أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، وأوصت فيها بإقامة دولتين، يهودية وعربية، في الأرض.
وثمة سمات عدّة للدولة الحديثة تستحقّ الانتباه.
أولًا، إنها دولة سياسية علمانية، وليست أمّة يحكمها العهد الموسوي مباشرةً. فإسرائيل الحديثة تعمل كدولة ديمقراطية ذات مؤسسات مدنية وأنظمة قانونية حديثة.
ثانيًا، يتكوّن السكّان إلى حدّ كبير من يهود عادوا من مناطق متعدّدة في العالم. وخلال القرن الماضي، وصل مهاجرون يهود من أوروبا وروسيا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط وإثيوبيا والاتحاد السوفياتي السابق.
ثالثًا، تضمّ الأمّة طيفًا واسعًا من التوجّهات الدينية والعلمانية. فكثير من الإسرائيليين يعرّفون أنفسهم ثقافيًّا بأنهم يهود، لكنهم غير متديّنين، بينما يلتزم آخرون بالفرائض الدينية. ويشمل السكّان أيضًا مواطنين عربًا وأقليات أخرى.
توفّر هذه الوقائع التاريخية خلفية مهمة للنقاش اللاهوتي الآتي. ويبقى السؤال كيف ينبغي فهم دولة إسرائيل الحديثة في علاقتها بإسرائيل الموصوفة في الكتاب المقدس.
هل ترتبط إسرائيل الحديثة بإسرائيل الكتابية؟
منذ أن ظهرت إسرائيل شعبًا من خلال الآباء ووعود العهد الإبراهيمي، يصوّر الكتاب المقدس الأمّة باستمرار بوصفها باقية في التاريخ، لا مختفية منه. ولأن الله وعد بأن تستمرّ إسرائيل أمّة أمامه، ظلّ الشعب اليهودي موجودًا عبر القرون، حتى في فترات طويلة من السبي والشتات وفقدان السيادة السياسية.
يفترض العهد الإبراهيمي استمرار هوية نسل إبراهيم بحسب الجسد، الذي تتحقّق من خلاله وعود الله (التكوين 12:1–3؛ 17:7–8). ويؤكّد الأنبياء أيضًا استمرار هوية إسرائيل القومية. وكما ذُكر سابقًا، أعلن إرميا أن إسرائيل ستبقى أمام الرب ما دام نظام الخليقة الثابت قائمًا: الشمس نهارًا، والقمر والنجوم ليلًا (إرميا 31:35–37). ولن يختفي وجود إسرائيل القومي من التاريخ، حتى حين تختبر الأمّة التأديب والسبي والشتات.
ويعكس التاريخ هذه الاستمرارية. فبعد خراب أورشليم سنة 70 م، تشتّت الشعب اليهودي بين الأمم. لكنه لم يختفِ. وظلّت جماعات يهودية معروفة موجودة عبر القرون في مناطق كثيرة من العالم. وفي الوقت نفسه، استمرّت مجموعات يهودية صغيرة في العيش في الأرض نفسها، ولا سيّما في مدن مثل القدس وصفد وطبريا والخليل.
وعبر القرون، فهم الشعب اليهودي نفسه باستمرار بوصفه نسل شعب إسرائيل القديم. وظلّت حياته الدينية متمحورة حول الأسفار العبرية والسبت والأعياد الكتابية. وحتى في المنفى، كان اليهود يصلّون باتجاه أورشليم ويحفظون ذكرى الأرض الموعودة لآبائهم.
وتعزّز تطوّرات تاريخية عدّة هذه الاستمرارية. فقد أُحييت العبرية، لغة العهد القديم، لغةً محكية في المجتمع اليهودي خلال العودة الحديثة إلى الأرض. وتؤكّد الاكتشافات الأثرية في أرجاء المنطقة وجود الحضارة الإسرائيلية القديمة في الرقعة الجغرافية نفسها الموصوفة في الكتاب المقدس. كما تشير الدراسات الجينية للسكان اليهود في أنحاء العالم إلى قدر مهمّ من الأصل المشترك المتجذّر في الشرق الأدنى القديم.
تقود هذه الوقائع إلى استنتاج مهمّ: الشعب اليهودي اليوم مرتبط تاريخيًّا بشعب إسرائيل القديم، والدولة الحديثة تقع في الأرض نفسها التي جرت فيها القصة الكتابية. وبما أن السكان اليهود في الدولة الحديثة يحافظون على استمرارية إثنية وثقافية وتاريخية واضحة مع شعب إسرائيل القديم، فإن ثمة صلة ذات معنى بين إسرائيل الموصوفة في الكتاب المقدس والشعب اليهودي اليوم.
ومع أن وجود إسرائيل لا يعتمد على موافقة الهيئات الدولية، فمن الجدير بالذكر أن الأمم المتحدة أقرّت بالصلة التاريخية بين الشعب اليهودي والأرض حين أوصت بإقامة دولة يهودية عام 1947.
وتنسجم هذه الاستمرارية التاريخية أيضًا مع التوقّعات الكتابية. فقد حذّر موسى من أن إسرائيل ستتشتّت بين الأمم بسبب العصيان، وستصبح «قليلة العدد» بين الشعوب التي سيسوقها الرب إليها (التثنية 28:62). لكنه وعد أيضًا بأن الله سيجمعها من جديد من الأمم ويردّها إلى الأرض (التثنية 30:1–5).
لا تبدو إسرائيل الحديثة مطابقة لإسرائيل في العهد القديم. فقد كانت إسرائيل القديمة أمّة تحت العهد الموسوي، في حين أن الدولة الحديثة أمّة سياسية معاصرة، ذات سكان متنوّعين وعلمانيين إلى حدّ كبير. لكن الاختلافات في البنية السياسية لا تمحو الاستمرارية الإثنية والتاريخية للشعب اليهودي ولا صلته بالأرض.
ولهذه الأسباب، لم يؤدّ تأسيس دولة إسرائيل الحديثة عام 1948 إلى إنشاء شعب جديد، بل مثّل إعادة التشكّل السياسي لشعب استمرّت هويته على مدى قرون من الشتات.
لا ينبغي استبعاد دولة إسرائيل الحديثة باعتبارها عديمة الصلة بالقصة الكتابية. فوجود الدولة الحديثة لا يحقّق في ذاته الرجاء النبوي بردّ إسرائيل المستقبلي، لكنه يبيّن أن الشعب اليهودي لا يزال موجودًا كأمّة في التاريخ.
يتضمّن الرجاء النبوي الموصوف في العهد القديم التجدّد الروحي والتوبة القومية وملك المسيح، وهي وقائع لم تتحقّق بعد. لكن استمرار الشعب اليهودي ووجوده من جديد في الأرض يبيّنان أن الشعب الذي أُعطيت له الوعود الكتابية لا يزال موجودًا في التاريخ. وتُظهر نجاة الشعب اليهودي وإعادة إقامة حضور قومي يهودي في الأرض أن مسرح التاريخ لا يزال يضمّ الشعب والمكان نفسيهما المرتبطَين بوعود الله في الكتاب المقدس. وبهذا المعنى، تذكّر إسرائيل الحديثة بأن القصة الكتابية لم تُمحَ من التاريخ، وأن الردّ المستقبلي الذي وصفه الأنبياء لا يزال ضمن مسار تحقيق مقاصد الله التاريخية.
ما الذي يعنيه وجود إسرائيل في الأرض — وما الذي لا يعنيه
يثير استمرار الشعب اليهودي في الأرض سؤالًا مهمًّا: ما الذي يعنيه وجود إسرائيل في الأرض اليوم في علاقته بالنبوءة الكتابية؟ فإذا كانت إسرائيل الحديثة لا تمثّل بعد الردّ الكامل الموعود به على ألسنة الأنبياء، فكيف ينبغي فهم وجودها ضمن خطة الله المتكشّفة؟
لا بدّ أولًا من توضيح ما لا يعنيه هذا الوجود.
لا يعني وجود إسرائيل في الأرض أن الأمّة قد اختبرت بالفعل الخلاص والتجدّد الروحي اللذين وعد بهما الأنبياء. فتلك النبوءات تشمل التوبة وغفران الخطايا والتحوّل الداخلي وملك المسيح من عرش داود، وهي شروط لم تتحقّق بعد. ويوضّح الكتاب المقدس أيضًا أن الأمّة وأفراد بني إسرائيل على السواء لن يرثوا بركات الأرض النهائية ما داموا باقين في عدم الإيمان. ويربط الأنبياء باستمرار ردّ إسرائيل المستقبلي بالتوبة والأمانة المتجدّدة للرب.
كذلك لا يجعل وجود إسرائيل في الأرض الأمّة بمنأى عن التقييم الأخلاقي أو السياسي. فمثل كلّ أمّة، ينبغي تقييم أعمال إسرائيل على أساس ما هو صواب، ووفق المعايير التي ينبغي لجميع الدول أن تلتزم بها. ودعم حقّ إسرائيل في الوجود واستمرار دورها في مقاصد الله لا يُلزم المسيحيين بالموافقة على كلّ قرار سياسي أو عسكري تتّخذه الحكومة الإسرائيلية الحديثة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي لأهمية إسرائيل الكتابية أن تقود المسيحيين مطلقًا إلى تجاهل كرامة الشعوب الأخرى التي تعيش في المنطقة ورفاهها. فجميع البشر مخلوقون على صورة الله وموضع عنايته. ولذلك ينبغي للمسيحيين أن يرغبوا في العدل والسلام وانتشار الإنجيل بين اليهود والأمم معًا. والاعتراف بدور إسرائيل في مقاصد الله لا ينتقص من قيمة الشعوب الأخرى أو أهميتها.
كما لا ينبغي استخدام الدولة الحديثة أساسًا لتخمين تواريخ تتعلّق بنهاية الأزمنة.
وفي الوقت نفسه، فإن وجود إسرائيل في الأرض أكثر من مجرّد ظاهرة تاريخية استثنائية. فقد تكون له أهمية ضمن تدبير العناية الإلهية لمسار التاريخ. ويشير الكتاب المقدس إلى أن إسرائيل ستكون موجودة من جديد في الأرض كشعب معروف خلال الفترة التي تسبق خلاصها وتجدّدها المستقبليين. ويصوّر دانيال 9:27 إسرائيل أمّة حاضرة في الأرض، لكنها لا تزال في عدم الإيمان، وقادرة على إبرام عهد سياسي مع حاكم عالمي قوي.
وتلقي رؤيا حزقيال للعظام اليابسة الضوء أيضًا على هذه المسألة (حزقيال 37:1–14). فالرؤيا تحدّد صراحةً أن العظام هي «كلّ بيت إسرائيل» (37:11)، وهو شعب يُصوَّر بأنه منقطع وبلا رجاء بسبب السبي والشتات. ومع تقدّم النبوءة، تجتمع العظام وتتشكّل أجساد قبل أن تدخل فيها نسمة الحياة (37:7–8). وتوحي الصورة بتمييز بين إعادة تكوين إسرائيل قوميًّا والتجدّد الروحي اللاحق الذي يحدثه روح الله. ولذلك تصوّر الرؤيا إعادة تكوين إسرائيل شعبًا قبل أن تختبر عمل الروح المغيّر. وهذا يوحي بأن إعادة الجمع القومي والتجدّد الروحي اللاحق ليسا بالضرورة متزامنين، بل قد يتعاقبان ضمن خطة الله الفدائية.
إذن، فإن فكرة وجود إسرائيل من جديد في الأرض قبل تجدّدها الروحي تنسجم مع النمط الكتابي. وهذا لا يقتضي مطابقة مباشرة ودقيقة بين الأحداث السياسية الحديثة ونبوءات محدّدة. بل يتصوّر مرحلة توجد فيها إسرائيل من جديد كأمّة قبل حدوث التحوّل الروحي الذي وعد به الأنبياء.
وفي ضوء هذا النمط، يمكن بصورة معقولة فهم إعادة إقامة إسرائيل الحديثة كأمّة في الأرض على أنها تنسجم مع مرحلة مبكرة من عملية الردّ الموصوفة في الكتاب المقدس. فالأمّة اليوم لا تُظهر بعد التجدّد الروحي الواسع الموعود به في مقاطع مثل حزقيال 36:26–27. ومع ذلك، فإن وجود إسرائيل شعبًا جُمِع مجدّدًا في أرضه التاريخية يوافق التوقّع النبوي بأن الردّ القومي سيسبق التحوّل الروحي.
لا ينبغي النظر إلى دولة إسرائيل الحديثة بوصفها تحقيقًا لنبوءات الردّ. وفي الوقت نفسه، قد تمثّل جزءًا من الإطار التاريخي الذي سيحقّق الله من خلاله في النهاية خلاص الأمّة وتجدّدها المستقبليين.
إسرائيل وعدم الإيمان
يتعلّق أحد أكثر الاعتراضات شيوعًا على ربط إسرائيل الحديثة بإسرائيل الكتاب المقدس بعدم إيمان الأمّة حاليًّا. فكثيرون يلاحظون أن قطاعات كبيرة من السكان اليهود لا تؤمن بيسوع مسيحًا، وأن سياسات دولة إسرائيل الحديثة لا تعكس دائمًا الأخلاق الكتابية. ولذلك يستنتج بعضهم أن إسرائيل الحديثة لا يمكن أن تكون لها أيّ صلة ذات معنى بإسرائيل الموصوفة في الكتاب المقدس.
لكن عدم إيمان إسرائيل الحالي لا يقطع هويتها التاريخية أو الكتابية. ففي العهد القديم، كثيرًا ما سلكت إسرائيل بالشرّ، مع بقائها الأمّة التي حقّق الله من خلالها مقاصده العهدية. وقد وبّخ الأنبياء إسرائيل مرارًا على الفساد والوثنية والظلم. ومع ذلك، حتى في فترات التمرّد القومي، لم يُلغِ الله التزاماته العهدية تجاه الشعب المنحدر من إبراهيم.
وقد أقرّت إسرائيل نفسها بهذا النمط في صلوات التوبة. ففي صلاة سليمان لتدشين الهيكل، اعترفت الأمّة قائلةً: «أخطأنا وأثمنا وعملنا شرًّا» (الملوك الأول 8:47؛ راجع أخبار الأيام الثاني 6:37). وقاد كثير من ملوك إسرائيل الأمّة إلى فساد خطير. فعُمري «عمل الشرّ في عيني الرب، وأساء أكثر من جميع الذين قبله» (الملوك الأول 16:25). ومنسّى «عمل شرًّا أكثر من جميع الأموريين»، وقاد يهوذا إلى وثنية واسعة الانتشار (الملوك الثاني 21:11). وكانت إخفاقات إسرائيل الأخلاقية سمة متكرّرة في تاريخها، لكنها لم تمحُ قطّ هويتها العهدية. لقد أدّب الله شعبه، لكنه لم يتخلَّ عن الوعود المعطاة للآباء.
ويعكس العهد الجديد النمط نفسه. فقد خاطب بطرس الشعب اليهودي غير المؤمن في أورشليم بوصفه شريكًا في وعود العهد، مع دعوته إلى التوبة:
«أنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عاهد الله به آباءنا، قائلًا لإبراهيم: وبنسلك تتبارك جميع قبائل الأرض» (أعمال الرسل 3:25).
وكذلك، في رومية 9:3–5، أقرّ بولس بعدم الإيمان الواسع في إسرائيل، مؤكّدًا في الوقت نفسه أن الأمّة لا تزال تتمتّع بعلاقة فريدة بالعهود والوعود. وفي حديثه عن بني قومه الإسرائيليين، أعلن بولس أن لهم «التبنّي والمجد والعهود وإعطاء الشريعة وعبادة الهيكل والمواعيد، ولهم الآباء، ومنهم المسيح بحسب الجسد» (رومية 9:4–5).
إذن، فإن عدم إيمان إسرائيل الحالي حالة روحية خطيرة يعترف بها الكتاب المقدس نفسه. لكن إسرائيل عاشت مرارًا في حالة مشابهة خلال عصر العهد القديم. فإذا كانت فترات العصيان القومي لم تُخرِج إسرائيل من مقاصد الله العهدية في الماضي، فلا ينبغي للواقع نفسه أن يقودنا إلى إنكار استمرار هويتها اليوم.
منظور رومية 11
يتضمّن رومية 11 أكثر مناقشات العهد الجديد مباشرةً واستفاضةً بشأن إسرائيل في مقاصد الله. ويكتب بولس في سياق رفض إسرائيل ليسوع وتزايد عدد المؤمنين من الأمم الداخلين إلى شعب الله. ولذلك يستحقّ هذا الإصحاح عناية دقيقة في أيّ تفكير مسيحي بشأن مكانة إسرائيل في خطة الله. ففيه يشرح بولس علاقة عدم إيمان إسرائيل الحالي بمقاصد الله الأوسع، وكيف ينبغي للمسيحيين أن ينظروا إلى هذه الأمّة.
وتعكس مناقشة بولس أيضًا نمطًا أُعلن سابقًا في الكتاب المقدس. فتحذيرات العهد ووعوده في اللاويين 26 والتثنية 28–30، ونشيد موسى في التثنية 32، والمقاطع النبوية اللاحقة مثل حزقيال 20، تصف نمطًا متكرّرًا في تاريخ إسرائيل: عصيان، وتأديب بين الأمم، ثم ردّ في النهاية. ويندرج رومية 11 ضمن هذا الإطار نفسه. بل إن بولس يستند إلى التثنية 32 عندما يشرح أن الله يستخدم حاليًّا خلاص الأمم لإثارة غيرة إسرائيل (رومية 10:19؛ 11:11).
ابتداءً من رومية 9، يتناول بولس الإشكال اللاهوتي الذي يثيره عدم الإيمان الواسع في إسرائيل: كيف يبقى الله أمينًا لوعوده والأمّة لم تقبل مسيحها؟ وقد جعل نشوء الكنيسة وتزايد عدد الآتين إلى الإيمان من الأمم هذا السؤال أكثر إلحاحًا. وبدأ بعضهم يتساءل إن كان الله قد رفض إسرائيل تمامًا.
ويردّ بولس بإعلان تأسيسي:
فأقول: ألعلّ الله رفض شعبه؟ حاشا!… لم يرفض الله شعبه الذي سبق فعرفه (رومية 11:1–2).
يحدّد هذا الإعلان نبرة بقية الإصحاح. فعلى الرغم من رفض إسرائيل الواسع ليسوع بوصفه المسيح، لم تنتهِ علاقة الله بالأمّة. وحتى في حالة عدم الإيمان الراهنة، لا تزال إسرائيل توصف بأنها «شعبه». ويؤسّس بولس هذا القول على معرفة الله السابقة بهم. وهذه اللغة تشير إلى اختيار الله السابق والتزامه العهدي تجاه إسرائيل. وفي كتابات بولس، يرتبط المصطلح ارتباطًا وثيقًا بالاختيار ومقاصد الله الخلاصية. فمثلًا، يوصف المؤمنون في رومية 8:29 بأنهم الذين «سبق فعرفهم». وتُبرز الكلمة قرار الله السيادي بأن يجعل هذا الشعب، إسرائيل، موضع مقاصده الخلاصية.
إن مقصد بولس واضح، وينبغي أن يحسم مسألة ما إذا كان يمكن اعتبار إسرائيل، وهي في عدم الإيمان، شعب الله: فعدم إيمان إسرائيل الحالي لا يلغي اختيار الله السابق للأمّة. والله الذي سبق فعرف شعبه إسرائيل لم يرفضه. ومقاصده له لا تزال قائمة.
ثم يشرح بولس كيف ينسجم الوضع الحالي مع خطة الله الأوسع. ففي رومية 11:1–10، يشدّد أولًا على أن الله لم يرفض شعبه، مشيرًا إلى وجود بقيّة مؤمنة داخل إسرائيل دليلًا على بقاء علاقته العهدية بالأمّة سليمة. وبولس نفسه جزء من هذه البقيّة المختارة بالنعمة. ولذلك فإن عدم إيمان إسرائيل الحالي ليس شاملًا ولا نهائيًّا. فمن خلال عثرة إسرائيل جاء الخلاص إلى الأمم، وهذا بدوره يثير غيرة إسرائيل (رومية 11:11). ولا يعني هذا التطوّر أن دور إسرائيل في مقاصد الله قد انتهى، بل يمثّل مرحلة ضمن النمط الأوسع الذي يصفه الكتاب المقدس.
وباستخدام صورة شجرة الزيتون (11:17–24)، يشرح بولس أن المؤمنين من الأمم قد طُعّموا في البركات المرتبطة بالآباء. وفي الوقت نفسه، يحذّرهم من الاستعلاء على إسرائيل، أي الأغصان الطبيعية:
لا تفتخر على الأغصان. وإن افتخرت، فتذكّر أنك لست أنت تحمل الأصل، بل الأصل إيّاك يحمل (رومية 11:18).
ويتحدّث بولس أيضًا عن تبدّل مستقبلي في عدم إيمان إسرائيل كجماعة. فيشير إلى يوم آتٍ فيه «سيخلص جميع إسرائيل» (رومية 11:26). ويرتبط هذا الخلاص بـ«ملء» إسرائيل الآتي، الذي يقول بولس إنه سيجلب «غنًى للعالم» وبركة أعظم للأمم (رومية 11:12). ثم يضيف أنه إذا كان رفض إسرائيل الحالي قد عنى «مصالحة العالم»، فإن قبولها المستقبلي سيكون «حياة من الأموات» (رومية 11:15). وتُظهر هذه التعبيرات أن إسرائيل ليست ذات أهمية في مقاصد الله الحالية فحسب، بل ستؤدّي دورًا أكبر في البركات العالمية التي سترافق ردّها المستقبلي.
ومن الأمور الجوهرية أيضًا في حجة بولس إدراك الوضع المزدوج الفريد الذي تشغله إسرائيل حاليًّا. فهناك حقيقتان متزامنتان: الأمّة في معظمها غير مؤمنة بالإنجيل، لكنها تظلّ مرتبطة بمقاصد الله العهدية. ويعبّر بولس عن هذا التوتّر بوضوح:
من جهة الإنجيل هم أعداء من أجلكم، وأمّا من جهة الاختيار فهم أحباء من أجل الآباء (رومية 11:28).
فمن منظور الإنجيل، يضع رفض إسرائيل للمسيح الأمّة في معارضة رسالة الخلاص. لكن من منظور اختيار الله السيادي، تظلّ إسرائيل محبوبة بسبب التزامات الله العهدية تجاه إبراهيم وإسحق ويعقوب.
ويعزّز بولس هذه الحقيقة بإعلان شامل عن أمانة الله:
لأن هبات الله ودعوته لا رجعة فيها (رومية 11:29).
تشير «الهبات» إلى البركات التي عدّدها بولس سابقًا في رومية 9:4–5، ومنها الوعود والعهود التي أعطاها الله لإسرائيل. وتشير «دعوة» إسرائيل إلى دور الأمّة التاريخي الدائم في مقاصد الله لجلب البركة إلى الأمم.
ما كان صحيحًا في أيام بولس لا يزال صحيحًا اليوم. فعدم إيمان إسرائيل حقيقي، ولا يجوز التقليل من شأنه. لكنه لا يعني أن الله رفض الأمّة. وتظلّ إسرائيل محبوبة بسبب الوعود للآباء. ولا يمكن إلغاء دعوة الله لهذه الأمّة.
ولهذا السبب، يجب على المؤمنين من الأمم أن يرفضوا أيّ موقف استعلائي تجاه إسرائيل. وعلى المسيحيين بدلًا من ذلك أن ينظروا إلى إسرائيل من خلال المنظور الذي يقدّمه بولس، معترفين بمأساة عدم إيمانها الحالي وباليقين بأن الله سيظلّ أمينًا لشعب عهده في المستقبل.
خلاصة
هل توجد صلة بين إسرائيل الكتاب المقدس والشعب اليهودي اليوم، بما في ذلك دولة إسرائيل الحديثة؟ الجواب نعم.
يشير الكتاب المقدس إلى أن إسرائيل ستستمرّ شعبًا وأمّة متميّزين ضمن مقاصد الله. فمنذ نشأة إسرائيل في سفر التكوين، لا تتوقّع القصة الكتابية أبدًا فترة تختفي فيها الأمّة نهائيًّا أو تتلاشى من خطط الله. وحتى بعد الشتات، استمرّ الشعب اليهودي جماعةً إثنية معروفة ذات صلات تاريخية وثقافية بشعب إسرائيل الموصوف في الكتاب المقدس.
حين يعيش عدد كبير من الإسرائيليين إثنيًّا من جديد في أرض إسرائيل التاريخية، وينتمون بوعي إلى هذا التراث الكتابي، يصعب إنكار وجود صلة ذات معنى بين إسرائيل الكتاب المقدس وإسرائيل الحديثة. وكون الدولة الحديثة علمانية إلى حدّ كبير، أو اتّخاذها أحيانًا قرارات سياسية وعسكرية قابلة للنقد، لا يمحو هذه الاستمرارية التاريخية والكتابية. ففي العهد القديم، كثيرًا ما وُجدت إسرائيل شعبًا لعهد الله بينما عاش كثيرون داخل الأمّة في عدم الإيمان والعصيان. ولم تمحُ تلك الإخفاقات هوية إسرائيل أو تُلغِ مقاصد الله العهدية للأمّة. ولهذا، لا ينبغي النظر إلى عدم إيمان إسرائيل الحالي بوصفه قاطعًا للصلة التاريخية والكتابية بين إسرائيل الحديثة وإسرائيل الموصوفة في الكتاب المقدس.
لا ينبغي اعتبار أمّة إسرائيل الحديثة التحقيق الكامل للنبوءة الكتابية، كما أن حالتها الراهنة لا تعكس التجدّد الروحي الموعود به على ألسنة الأنبياء. لكن وجودها نفسه يذكّر بأن الشعب الذي دعاه الله من خلال إبراهيم وإسحق ويعقوب لم يختفِ من التاريخ. فالأمّة نفسها التي نالت يومًا عهود الله ووعوده لا تزال موجودة اليوم بصورة معروفة.
وتدعو هذه الاستمرارية المسيحيين إلى التواضع والترقّب معًا. فالله الذي حفظ إسرائيل في السبي وعبر قرون الشتات هو نفسه الذي أعلن أن مقاصده لهذا الشعب — وللعالم من خلاله — لم تكتمل بعد.
مايكل ج. فلاك معلّم للكتاب المقدس ومؤلّف متخصّص في اللاهوت الكتابي والعهود وملكوت الله ودور إسرائيل في الكتاب المقدس. ألّف كتبًا عدّة في اللاهوت والقصة الكبرى للكتاب المقدس. وتتوفّر مقالات وموارد أخرى على موقع MichaelJVlach.com.



